موسم الهجرة إلى الشمال - طيب صالح


طرح الكاتب السوداني طيب صالح في كتابه "موسم الهجرة إلى الشمال" إشكالا عريقا في الثقافة العربية. بالرغم من مرور أكثر من خمسون سنة على صدوره فهو لا يزال محل نزاع بين النقاد بسبب ما يحمل بين طياته من صراع بين الحضارتين، الشرقية والغربية.
صُوِّر هذا الصراع من خلال الشخصية المحورية في الرواية، مصطفى سعيد، شخصية سودانية متميزة تسافر العالم تدرس بلندن لكنها تحمل جانبا عنيفا ضد اروبا الذي احتلت عالمه واستغلته. وبالرغم من المكانة المهمة التي كانت تُنْسب الى مصطفى سعيد في الاوساط الاوروبية، فكان لا يتردد في ممارسة الحيل الخبيثه والعنف و إختلاق الأكاذيب وتقديم صورة إستشراقية عن بلاده كي يدخل المرأة إلى فراشه.
ربما النقطة الجوهرية في الرواية كانت مشعد قتله لجان موريس زوجته. وهي تمثل الحضارة الغربية التي تعد بمنح نفسها على الفراش مقابل أثمن ما يملك. فليلة زواجهما، إشترطت جون موريس على مصطفى سعيد ان يتخلى عن زهريته الثمينة التي القت بها في القاع ومخطوطاتة العربية لتمضخها وسجادة الصلاة لتلقيها في النار، ثم تضربه في مركز رجوليته وتذهب.رغم محاولات سعيد لإمتلاكها والذي يعكس سلوكه الإستعماري فجين موريس لم تمنحه نفسها ولم تستسلم له إلا لحظة وضع الحنجر بين نهديها. وبالرغم من قتلها والاحساس بدمها الحار يجري من صدرها وصراخها المتوسل له بمرافقتها فهو لا يزل يشعر بالدني والاحتقار تجاه نفسه، لانه اكتشف انه لم يمتلكها قط، ولكنه اوهم نفسه انه قادر على امتلاك اي كان ومنح نفسه لقب المستعمر لا المضطهد. وهنا نجد انفسنا امام ثنائية المستعمَر والمستعمِر. فقد عاش مصطفى سعيد في ازدواجية واضحة، بين ثقافة وعقل اوروبي وبشرة سوداء. لم يقرر بين بيئته الافريقية او بيئته الاوروبية، بين الامتثال للإستعمار أو التحرر من هيمنة الحرية، بين الترحيب بالغرب او رفضه، بين التحضر أو القبلية.. فالغرب في بلاده السودان كان حاضرا بأشكال مختلفة، هو الحداثة، التقدم، الاستشراق، الاستعمار، الاستلاب، الهيمنة، القهر، الحقد. ولايزال هذا التذبذب والاضطراب قائما في ذواتنا، ولايزال الغرب يشغل منصب المستعمر المهيمن بامتياز بالرغم من براعته في التنكر في حلة العالم المرحّب والمتسامح.

Commentaires

Articles les plus consultés